ابن أبي الحديد

20

شرح نهج البلاغة

أن يخطئ كما روى عنه صلى الله عليه وآله في نهيه لأهل المدينة عن تأبير النخل ( 1 ) . فأما أصحابنا المعتزلة ، فإنهم اختلفوا في الخبر المروى عنه عليه الصلاة والسلام في سورة النجم ، فمنهم من دفع الخبر أصلا ولم يقبله ، وطعن في رواته ، ومنهم من اعترف بكونه قرآنا منزلا ، وهم فريقان : أحدهما القائلون بأنه كان وصفا للملائكة ، فلما ظن المشركون أنه وصف آلهتهم ، رفع ونهى عن تلاوته . وثانيهما القائلون إنه خارج على وجه الاستفهام بمعنى الانكار ، فتوهم سامعوه أنه بمعنى التحقيق ، فنسخه الله تعالى ونهى عن تلاوته . ومنهم من قال : ليس بقرآن منزل ، بل هو كلام تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله من قبل نفسه على طريق الانكار والهزء بقريش ، فظنوا أنه يريد التحقيق ، فنسخه الله بأن بين خطأ ظنهم ، وهذا معنى قوله : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته ) ( 2 ) . قالوا : فإلقاء الشيطان هاهنا هو إلقاء الشبهة في قلوب المشركين ، وإنما أضافه إلى أمنيته ، وهي تلاوته القرآن ، لان بغرور الشيطان ووسوسته أضاف المشركون إلى تلاوته عليه السلام ما لم يرده بها . وأنكر أصحابنا الأخبار الواردة التي تقتضي الطعن على الرسول صلى الله عليه وآله ، قالوا : وكيف يجوز أن تصدق هذه الأخبار الآحاد على من قد قال الله تعالى له : ( كذلك لنثبت به فؤادك ) ( 3 ) وقال له : ( سنقرئك فلا تنسى ) ( 4 ) وقال عنه : ( ولو تقول

--> ( 1 ) رواه مسلم في كتاب الفضائل 4 : 1836 بسنده عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل ، فقال : " لو لم يفعلوا لصلح " قال : فخرج شيصا ( وهو البسر الردئ ) ، فمر بهم فقال : ما لنخلكم ؟ قالوا : قلت كذا وكذا ! قال : " أنتم أعلم بأمر دنياكم " . ( 2 ) سورة الحج 52 ( 3 ) سورة الفرقان 32 ( 4 ) سورة الأعلى 6